الشيخ محمد حسين الحائري

348

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

كما يشاهد في بعضها بعد كشف الشرع كالغناء وشرب الفقاع لا يوجب تزلزل العقل في قطعه لأنه لا منشأ له قبل ورود الشرع فلا يعتد به العقل ألا ترى أن من احترز عن الجلوس تحت الحائط المحكم البنيان لاحتمال أن ينهدم يلحق تجويزه ذلك بظنون أصحاب الجنون والسوداء مع أن هذا الاحتمال معارض باحتمال المفسدة في ترك الفعل أيضا وهو يستلزم التكليف بالمحال والمانع لم يتمسك على المنع إلا بكونه تصرفا في ملك الغير بغير إذنه فكأنه نفي احتمال مفسدة أخرى وهذه المفسدة أيضا منفية أقول لا تنهض الحجة المذكورة إلا بإثبات الإباحة الظاهرية لان خلو الفعل عن أمارات المفسدة لا يوجب القطع بانتفائها وأما حكم العقل بقبح التحرز عن الجلوس تحت الحائط المحكم البنيان فهو حكم منه ظاهري لظهور أن العقل لا يقطع بعدم ترتب مفسدة الانهدام عليه لكن يحكم بقبح البناء في الظاهر على خلاف ذلك وبالجملة نفرق بين تجويز الانهدام على الحائط المذكور وبين العمل بمقتضى هذا التجويز من التحرز عن الجلوس تحته لأجل ذلك فالذي يحكم العقل بقبحه وسفه فاعله هو الثاني دون الأول فظهر من ذلك فساد ما ادعاه من أن الاذن منه تعالى يعني الاذن الواقعي معلوم عقلا لما بينا من احتمال الخلاف مع أن اعتبار الاذن في الدليل غير سديد لأنه هنا بمعنى الإباحة فيكون الاستدلال مصادرة ومعارضة احتمال المفسدة في الفعل باحتمال المفسدة في الترك لا يوجب القطع بالإباحة الواقعية وبطلان ما تمسك به المانع لا يوجب بطلان دعواه لجواز أن يقام عليها حجة أخرى فضلا عن ثبوت ما يدعيه لاحتمال الواسطة احتج القائلون بالحظر بأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه فيحرم ورد تارة بمنع حكم العقل بحرمة التصرف في ملك الغير وإنما يثبت ذلك بالشرع ولو سلم فإنما يسلم فيمن يلحقه بالتصرف ضرر وهو هنا منتف لتنزهه تعالى عنه ولو سلم فمعارض بما نحققه في المنع من الضرر الناجز على النفس وليس تحمله لدفع ضرر الخوف أولى من العكس وأشدية الضرر المخوف معارضة بتنجز الضرر الاخر وأخرى بالتنظير وهو أن من ملك بحرا لا ينزف واتصف بغاية الجود وأحب مملوكه قطرة من ذلك فكيف يدرك بالعقل تحريمها والتقريب ظاهر وقد يجاب أيضا بلزوم التكليف بالمحال إذا فرض ضدان لا ثالث لهما كالحركة والسكون وأورد عليه بأنه خارج عن محل النزاع إذ لا نسلم أن لا حكم للعقل فيه بل يحكم بإباحة أحدهما قطعا ويمكن أن يجاب أيضا بأن الخصم لعله لا يساعد على كون السكون فعلا بل هو عدم فعل الحركة فلا يلزمه القول بالتكليف بالمحال بل يلزمه القول بحرمة الحركة على التعيين إلا أن يقال بنقل الكلام إلى الكف الذي هو سبب السكون وهو أمر وجودي ويمكن دفعه بأن الظاهر أن نزاعهم في أفعال الجوارح فقط بدليل أن دليلهم من حرمة التصرف في ملك الغير لا يساعد على تحريم التصرف في نفسه إلا أن يقال بأنه أيضا ملك للغير فيحرم عليه التصرف في نفسه ولو بإحداث الكف فيها ولا يخلو من بعد نعم يمكن أن يقال هذه مناقشة في المثال فيبقى الاشكال المدعى بحاله ولا محيص عنه إلا بالتزام القول بالإباحة حينئذ وتخصيص الحظر بغيره حجة النافي للحكم أن المبيح والحاظر إن أرادا خطاب الشرع بذلك فالتقدير أن لا شرع وإن أرادا حكم العقل بذلك لزم التناقض إذ المفروض أنه مما لا حكم للعقل فيه بحسن ولا قبح في حكم الشارع يعني أن فرض العنوان ما لا يدرك العقل حكمه أو حسنه وقبحه ينافي دعوى حكم العقل فيه بالإباحة أو الحظر والجواب أنا نختار الشق الأخير ولا تناقض لان المراد أن ما لا يدرك العقل حكمه بغير هذا العنوان أو هذه الجهة أعني كونه مما لا يدرك العقل حسنه وقبحه هل يحكم عليه بعد ملاحظته بهذا العنوان وهذه الجهة بالإباحة أو الحظر أو لا فلا ينافي حكم العقل عليه بأحدهما ما اعتبر فيه من عدم حكم العقل فيه بأحدهما لتغاير الجهتين وإلى هذا يرجع ما قيل من أنه لا منافاة بين عدم الحكم على شئ مع قطع النظر عن كونه مجهولا وبين الحكم عليه باعتبار كونه مجهولا وتنظر فيه بعض المعاصرين بأن حكم المبيح بالإباحة أو الحاظر بالحظر حينئذ ليس من جهة كونه مجهول الحكم عند العقل بل لأنه منفعة مأذون فيها أو تصرف في ملك الغير بغير إذنه فكيف يجعل محل النزاع مجهول الحكم مع أن مقتضى دليل الباحثين علمهم بالحكم ثم قال فإن قيل ذلك مقتضى دليلهم بالنظر إلى ظاهر الحال وقد يتبدل الحكم بظهور خلافه فيعلم أن الحكم السابق إنما كان حكم مجهول الحكم قلنا هذا كلام سار في سائر المطالب المعلومة فكثيرا ما يعلم حكم الشئ بالضرورة أو النظر ثم يظهر خلافه ولا يلزم منه أن يكون ذلك حكم الشئ من حيث إنه مجهول الحكم بل وظيفة الناظر في كل وقت إنما هي التخلية التامة والبناء على ما أدى إليه نظره سواء صادف الواقع أو لا ثم قال نعم هذا يجري فيما لا نص فيه من الاحكام التي لا مسرح للعقل فيها أصلا كوجوب غسل الجمعة فإن حكمه قبل ثبوت الشرع من حيث هو مجهول عدم الوجوب لا مع قطع النظر عنه وأين هو من الحكم بالإباحة هذا ملخص كلامه أقول وفيه ما لا يخفى لان حكم المبيح والحاظر بالإباحة والحظر من جهة كونه منفعة مأذونا فيها أو تصرفا بغير الاذن لا ينافي كونه باعتبار جهالة الحكم أيضا كيف وتلك الجهتان إنما يثبتان لمواردهما عندهم باعتبار هذه الجهة فإن المبيح إنما يقول في شم الورد مثلا بأنه منفعة مأذون فيها بعد أخذه بعنوان مجهول الحكم كما يدل عليه اعتباره لخلوها عن أمارات المفسدة وكذلك الحاظر إنما يقول بأنه تصرف بغير الاذن بعد أخذه بهذا العنوان إذ مراده بغير الاذن ظاهر إلا واقعا إذ لا طريق له إليه فيدل على اعتباره الجهالة بالحكم في الحكم وبالجملة فكون الشئ مجهول الحكم دليل أصولي على حكمه بمعنى أنه يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إليه لا دليل منطقي وأما ما أورده من السؤال فمورده ما ذكره أخيرا من أن مقتضى أدلتهم العلم بالحكم فكيف يجعل الموضوع مجهول